ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
56
حجة الله البالغة
( بَاب انْشِقَاق التَّكْلِيف من التَّقْدِير ) اعْلَم أَن لله تَعَالَى آيَات فِي خلقه يَهْتَدِي النَّاظر فِيهَا إِلَى أَن الله لَهُ الْحجَّة الْبَالِغَة فِي تَكْلِيفه لِعِبَادِهِ بالشرائع ، فَانْظُر إِلَى الْأَشْجَار وأوراقها وأزهارها وثمراتها ، وَمَا فِي كل ذَلِك من الكيفيات المبصرة والمذوقة وَغَيرهَا ، فَإِنَّهُ جعل لكل نوع أوراقا بشكل خَاص ، وأزهارا بلون خَاص ، وثمارا مُخْتَصَّة بطعوم ، وبتلك الْأُمُور يعرف أَن هَذَا الْفَرد من نوع كَذَا وَكَذَا ، وَهَذِه كلهَا تَابِعَة للصورة النوعية ملتوية مَعهَا إِنَّمَا تَجِيء من حَيْثُ جَاءَت الصُّورَة النوعية ، وَقَضَاء الله تَعَالَى بِأَن تكون هَذِه الْمَادَّة نَخْلَة مثلا مشتبك مَعَ قَضَائِهِ التفصيلي بِأَن تكون ثَمَرَتهَا كَذَا وخواصها كَذَا . وَمن خَواص النَّوْع مَا يُدْرِكهُ كل من لَهُ بَال ، وَمن خواصه مَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا الألمعي الفطن كتأثير الْيَاقُوت فِي نفس حامله بالتفريح والتشجيع ، وَمن خواصه مَا يعم كل الْأَفْرَاد ، وَمن خواصه مَا لَا يُوجد إِلَّا فِي بَعْضهَا حَيْثُ تستعد الْمَادَّة ، كالأهليلج الَّذِي يسهل بطن من قبض عَلَيْهِ بِيَدِهِ ، وَلَيْسَ لَك أَن تَقول لما كَانَت ثَمَرَة النّخل على هَذِه الصّفة ؟ فَإِنَّهُ سُؤال بَاطِل لِأَن وجود لَوَازِم الماهيات مَعهَا لَا يطْلب ( بلم ، ثمَّ أنظر إِلَى أَصْنَاف الْحَيَوَان تَجِد لكل نوع شكلا وخلقة ، كَمَا تَجِد فِي الْأَشْجَار ، وتجد مَعَ ذَلِك لَهَا حركات اختيارية ، وإلهامات طبيعية ، وتدبيرات جبلية يمتاز كل نوع بهَا ، فبهيمة الْأَنْعَام ترعى الْحَشِيش ، وتجتر ، وَالْفرس وَالْحمار والبغل ترعى الْحَشِيش ، وَلَا تجتر ، وَالسِّبَاع تَأْكُل اللَّحْم ، وَالطير يطير فِي الْهَوَاء ، والسمك يسبح فِي المَاء ، وَلكُل نوع من الْحَيَوَان صَوت غير صَوت الآخر ، ومسافدة غير مسافدة الآخر ، وحضانة للأولاد غير حضَانَة الآخر ، وَشرح هَذَا يطول ، وَمَا ألهم نوعا من الْأَنْوَاع إِلَّا علوما تناسب مزاجه ، وَإِلَّا مَا يصلح بِهِ ذَلِك النَّوْع . وكل هَذِه الإلهامات تترشح عَلَيْهِ من جَانب بارئها من كوَّة الصُّورَة النوعية ، وَمثلهَا كَمثل تخاطيط الأزهار ، وطعوم الثمرات فِي تشابكها مَعَ الصُّورَة النوعية ، وَمن أَحْكَام النَّوْع مَا يعم الْأَفْرَاد ، وَمِنْهَا مَا لَا يُوجد إِلَّا فِي الْبَعْض حَيْثُ تستعد الْمَادَّة ، وتتفق الْأَسْبَاب ، وَإِن كَانَ أصل الاستعداد يعم الْكل ، كاليعسوب من بَين النَّحْل ، والببغاء يتَعَلَّم محاكاة أصوات النَّاس بعد تَعْلِيم وتمرين ، ثمَّ أنظر إِلَى نوع الْإِنْسَان تَجِد لَهُ مَا وجدت فِي الْأَشْجَار ، وَمَا وجدت فِي أَصْنَاف الْحَيَوَان كالسعال والتمطي والجشاء وَدفع الفضلات ومص الثدي فِي أول نشأته ، وتجد مَعَ ذَلِك فِيهِ خَواص يمتاز بهَا من سَائِر الْحَيَوَان : مِنْهَا النُّطْق ، وَفهم الْخطاب ، وتوليد الْعُلُوم الكسبية من تَرْتِيب الْمُقدمَات البديهية ، أَو من التجربة والاستقراء والحدس وَمن الاهتمام بِأُمُور يستحسنها بعقله ، وَلَا يجدهَا بحسه ، وَلَا وهمه ، كتهذيب النَّفس ، وتسخير الأقاليم تَحت حكمه ، وَلذَلِك يتوارد على أصُول هَذِه الْأُمُور جَمِيع الْأُمَم حَتَّى سكان شَوَاهِق الْجبَال ، وَمَا ذَلِك إِلَّا لسر نَاشِئ من جذر صورته النوعية ، وَذَلِكَ السِّرّ أَن مزاج الْإِنْسَان يَقْتَضِي أَن يكون عقله قاهرا على قلبه ، وَقَلبه قاهرا على نَفسه . ثمَّ انْظُر إِلَى تَدْبِير الْحق لكل نوع ، وتربيته إِيَّاه ، ولطفه بِهِ ، فَلَمَّا كَانَ النَّبَات لَا يحس ، وَلَا يَتَحَرَّك جعل لَهُ عروقا تمص الْمَادَّة المجتمعة من المَاء والهواء ولطيف التُّرَاب ، ثمَّ يفرقها فِي الأغصان وَغَيرهَا على تَقْسِيم تعطيه الصُّورَة النوعية ، وَلما كَانَ الْحَيَوَان حساسا